بسم الله الرحمن الرحيم
المنظمه الأسلاميه السنيه الأحوازيه
مؤسسة الدراسات القوميه الأحوازيه
تاريخ الأحواز
كتب
العروبة والغزو: الهوية القومية والأعداء ... القضية الأحوازية نموذجاً 1
تأليف :
باقـر الصـرّاف ـ و الأخ الأستاذ عادل السـويدي الأستاذ
و نشر الكتاب في موقع صحيفة دنيا الوطن
العمل القومي العربي
العروبة والغزو: الهوية القومية والأعداء
القضية الأحوازية: نموذجاً
(( المحور الأول ))
Arab Nation Action
Arabism and Invasion
National Identity and the Enemy
Ahwaz cause is an : Example
Bakir Al - Sarraf
Aadel Al - Soiedi
1st Edition - The Netherlands - Europe
Late February 2004
بدلاً من المقدمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نظراً لأسباب تتعلق بالمضمون الفكري والسياسي لأية مقدمة تتحدث عن فحوى الكتاب ، تعد في الفترة الزمنية الحالية ليست بذات الأهمية ، مقارنةً باللحظة التاريخية الراهنة التي تمر بها قضيتنا العربية الأحوازية ، فإننا نستعيض عن المقدمة حول إحتمالات مواجهه قضيتنا الأحوازية ، وكيفية إتخاذ التكتيكات السياسية الملائمة ، خدمة لعموم القراء بشكل عام ، ولعموم المناضلين الأحوازيين على وجهٍ أخص .
بين العمليات العسكرية غير العسكرية اللامحسوبة
و الرؤية السياسية الأجنبية...
الشعب الأحوازي هو الخاسر الوحيد
ــ 1 ــ
أعلن قبل فترة عن قيام عناصر مجهولة في الأحواز بعمليات حرق وإلحاق بعض الأضرار في بعض محطات الكهرباء في منطقة شكارة 2 بمنطقة كوت عبد الله الواقعة في الضاحية الجنوبية لمدينة الأحواز، كما تلتها سلسلة من عمليات الحرق في سوق الأحواز و في مجمّع البهبهاني و سوق الرضوانية على وجه الخصوص، بالإضافة إلى حرق الغابات و غيرها، وقد نشرت الأخبار عنها بعضُ المواقع العربية في شبكة الإنترنت هنا و هناك. كما نشرتها صحيفة الزمان اللندنية. وظهرت أصداء نتائج تلك العمليات في وسائل الإعلام والدعاية الإيرانية الرسمية، ومن بينها بعض الصحف الإيرانية، وعلى وجه الخصوص في وكالة أنباء خوزستان ( ايسنا )، و غيرها من الصحف الإيرانية، وهو جهد إعلامي يشي بالعديد من التفسيرات ويغري بالحديث عن هذا التطور، إذ اعتادت وسائل الإعلامية والدعائية الإيرانية على تجاهل أي حدث مناويء لسـلطتها، ومن أية جهة قومية ما أتت تلك الأعمال المناوئة، تسـهم في تكوين المجتمع الإيراني المتعدد القوميات.
هذا و قد أثيرت بعض الشكوك حول الظروف الزمانية وملابسات غامضة لجهة دوافعها وآفاق نتائجها على قضية شعبنا، سيما وإنها تفتقر للانسجام مع مضامين الحروب الشعبية من حيث الوعي بقوانينها، سواء بإدراك مقتضيات المرحلة الأولى التي قوامها: مفهوم الاستطلاع وتحديد الرؤية الموضوعية والذاتية الذي يؤكد إمكانية شن الحرب الشعبية في المكان المعين والزمان المحدد، والتي تلائم المرحلة التي يمر بها شعبٌ ما، أم التي لا تنسجم مع آلياتها العملية التطبيقية، وهي ـ بالإضافة إلى ذلك ـ تشترط القدرة القيادية الواعية بالواقع: الاِجتماعي والاِقتصادي والطبوغرافي، والمزاج الجماهيري العام، ولحظة التناقضات السياسية على المستويات الوطنية والعربية والعالمية، والمواقف السياسية للقوى السائدة في المحيط الجغرافي للمساحة التي ينبغي خوض الصراع فوق تلافيفها، من أجل التغيير بوسيلة الكفاح المسلح، ودون توفر كل ذلك، يجعل من التحرك الثوري المسلح ((تورط في عمل عسكري محكوم منذ البداية بالفشل وعاجز عن تجاوز حدود المغامرة العسكرية)) الطائشة التي تترك آثارها المأساوية على الجماهير العربستانية التي ندعي العمل من أجلها.
أو المرحلة الأولى من نشوب الثورة الوطنية المسلحة التي تتداخل مع المرحلة الأولى وتتسم بخاصية التدرج الكمي والنوعي لتنضيج الواقع الموضوعي عبر شروط تنمية العنصر الذاتي بالأبعاد المعنوية وآفاق الممارسة العملية الواعية، الذي يقتضي الإعداد والتدريب وتهيئة الإمكانيات المادية ومواقع التراجع والتخفي ومن ثم الاِنطلاق، وغير ذلك من موجبات تنضيج الواقع الموضوعي، كالـ:
1 ) تحريض على بعض الظواهر السلبية التي تفرزها ممارسات السلطة القائمة.
2 ) والتظاهر الجماهيري في المناسبات الوطنية.
3 ) والإضرابات النقابية العامية من أجل تحقيق المؤيد من الأهداف المطلبية.
4 ) ونشر روح التمرد على السلطة هنا وهناك، والتي من سماتها أيضاً: إضرب وأهرب، واختيار الأهداف الواضحة التي تلحق خسائر بالعدو: أفراد وجماعات: قوى عسـكرية أو أمنية، بنايات تعد لمقراتها الأمنية. . . الخ، من أجل إذلال السلطة، من جهة، و((تشجيع روح التمرد لدى الجماهير الشعبية بغية رفع معنوياتها وتحريرها من شعور الخنوع والخوف من عواقب مشاركتها بالثورة)) المسلحة، من جهة أخرى.
والمرحلتان كليهما ترتبطان بحزب ـ أو منظمة أو مجموعة منسجمة ـ يتسم وجوده بطابع السرية غير المكشوفة في الفترات الأولى على الأقل، وينطوي على تماسـك قيادي، ويلتزم بنظام داخلي: محتواه الفكري والسياسي واضح للجماهير العربستانية، مثلما يشترط تواجد قيادته على الأرض وينتشر في العديد من مواقعها الجغرافية والاجتماعية.
وفي اللحظة التاريخية الراهنة نفتقد ـ على المستوى العام كما أعتقد ـ كل هذه الشروط الموضوعية والذاتية، الأمر الذي زاد في غموض تلك العمليات التفجيرية وأهدافها السياسية الراهنة أو المستقبلية، وجعل ملابسات الشك وظلال التساؤل تنمو حول الجهات التي تقف وراءها، وعما إذا كانت نتائجها العملية الفعلية تؤدي لتعزيز أفق التغيير الوطني نحو النمو وباتجاه التناغم، أم الإرتكاس نحو التراجـع ووأد أي إمكانية متوفرة للتطور على صعيد الممارسـة؟. . .هل تصب فعالياتها في مصلحة الحركة الوطنية العربستانية، وتعمل على تعزيز قوتها الذاتية وتنشيط تناقضات الواقع الموضوعي ؟؟ أم هي تصب الماء في طاحونة السلطة الفارسية التي ستستغلها لتقول إنَّ مخططاً كبيراً: أجنبياً ومحلياً يستهدف نظامها، وبالتالي تمهد الأجواء لتوجيه ضربة لنمو النفوذ الجماهيري الوطني الذي يراكم بفعله ألمطلبي والوطني والقومي ألذات العربستانية التي تعمل على تحويل حركة الجماهير من ألذات الاجتماعية غير الموحدة وغير الفاعلة، إلى ذات اجتماعية فاعلة وعاملة تنشط سياسياً في سبيل ذاتها، كما بينتها
ـ مثلاً ـ نتائج الانتخابات البلدية التي جرت في عر بستان عام 2003 م ؟؟ .
إنَّ السؤال الذي تستثيره تلك العمليات بالضرورة يشخص بقوة أمام كل مَنْ يتناول الموقف السياسي الكلي في إيران، هو طابع ارتباطها بالدور الأمريكي الذي لم يعد خافياً على كل المتابعين للشأن الإيراني، أو أن هنالك نيات غير واضحة للاستخبارات الإيرانية في التمهيد لعمل أمني ما ضد الجماهير العربستانية، أو هناك توجه ما لبعض الجهات الأجنبية التي لا تراعي المصلحة الوطنية العربستانية وتسعى لتوظيفها في البعد الإستراتيجي والتكتيكي لفعالياتها ونشاطها، والتي كانت تغذي مثل هذه العمليات التي تستهدف ـ أساساً ـ البنية المادية الأساسية للمواطنين العربستانيين، دون المساس برموز السلطة الحاكمة في الأحواز التي تعاني فيها الجماهير من ممارستها القمعية الملموسة ! .
وكذلك يثور السؤال حول مَنْ يقف وراء تلك العمليات التفجيرية التي لم تتسبب بأية خسائر بشرية أو مادية في الطرف الإيراني بأي مجال كان، وحتى على المستوى الفردي، وليس رموز السلطة المنتشرين في كل مكان، ودوائرها الكثيرة المتناثرة هنا وهناك، سيما وأنَّ أربع فرق عسكرية قدِمت إلى منطقتنا في الفترة القريبة الماضية، للتمركز فيها بذرائع متباينة وحجج مختلفة، فهل يراد من هذه التفجيرات تبرير مثل هذا التواجد ؟ وهل يستهدف بعض الجهات السلطوية المتحكمة في الشأن الأساسي الإيراني القيام بعملية أمنية ما لتصفية الحركة الموضوعية والمتنامية للوطنيين و المخلصين عبر تشويهها ودمغها بصفة التخريب والإرهاب الرائجة في هذه الأيام ؟؟ .
نستخلص ذلك على ضوء وعينا التاريخي لدروس تجارب الماضي الذي تحكًم بطابع العلاقات التناقضية بين عموم الحركات الوطنية العربستانية، من ناحية، والنظام الإستخباراتي الإيراني، من ناحية أخرى، والتي كان الأخير يسعى دوما لزج عناصر تدعي رفع راية التحرير وتطلق شعارات نارية جوفاء، لا تقوى سيقانها الخشبية على حملها أساساً، فكيف وهي تحمل الحجارة الكبيرة بحجة رشقها على العدو ؟ .
لقد كان ينفضح في كل مرة الطابع التكويني لتلك ((الموجودات التنظيمية)) أو ((كم الإندساس فيها)) بعد بعض الأعمال ((الثورية)) وبالتالي تنكشف في الفترة الزمنية التالية لتلك ((الفعاليات العملية)) الموسومة ((بالتحرير الوطني ومعاداة المحتلين الفرس !!)) بأنها كانت من تخطيط الغرف المتخصصة في هذا الجهاز، والعناصر المنفذة أو الدافعة لها، على علاقة بمسئولي هذه الغرف الذين يمتلكون الخبرة الكبيرة في أعمالهم الأمنية ضد الوطنيين، ولها ارتباطات منظمة مع قيادات هذا الجهاز، و بالتالي كانت تصفي ـ الأجهزة الأمنية الإيرانية ـ المخدوعين من الوطنيين وتلحق الضربات المعنوية والمادية بقياداتها السياسية من أجل شطب العنصر الذاتي الذي تكون في ميدان الفعل الشعبي، وما قد سيتمخض عنها من بعثرة جهود الوطنيين المخلصين الذي يسددون في عملهم اليومي والتاريخي على الحلقة النضالية المركزية التي تتمثل ببناء ذات اجتماعية عربية موحدة تعمل في سبيل ذاتها ! ناهيك عن بعثرة تراكمات الفعل الوطني والقومي، من جهة، وتشويه التطلعات الوطنية الفكرية والسياسية لأبناء الإقليم العربي المحتل، من جهة أخرى.
ومن أجل الوقوف على المعاني الحقيقية لتلك العمليات التي انتشرت في الأصوات الدعائية بقوة أكثر من حقيقتها الفعلية، وبغية معرفة تأثير هذه الأعمال على الواقع المادي والبشري العربستاني، وتداعياتها المحتملة على تطورات الوضع، وتوقع دوافعها غير المنظورة راهناً، سنتطرق إلى أبعاد تلك العمليات في سياقاتها الموضوعية، ومدى تسببها في إيقاع الضرر الذي أصاب مجتمعنا، وهو ما سيوضحه التالي:
1) إن أي ضربة للبنية التحتية لمنطقة عر بستان هي هدف سياسي دائم يسعى لتحقيقه بعض الجماعات العنصرية الفارسية داخل الدولة الإيرانية، ولاشك أنَّ محطات الكهرباء والمياه جزء حيوي من تلك البنية التحتية التي تخدم كل البشر العربستانيين، ومَنْ يعيش بين ظهرانيهم، ولو دققنا عن مَنْ هو المستفيد أو مَنْ هو المتضرر من تلك العمليات لاكتشفنا ضحايا تلك العمليات: سواء الحراس الذي أغلبهم من العرب، أو الأجهزة التي تخدم المجتمع العربستاني، وبالتالي يمكن القول إنَّ تلك الفعاليات العسكرية، ما هي إلا عمليات جبانة وإرهابية واضحة المسعى والهدف، تقوم بها جماعات تصور نفسها مخلصة وتدعي الالتزام الوطني، في حين أنها قد تنتمي لهذا الجهاز الأمني الإيراني العسكري، أو ذاك السياسي، مباشرة أو بشكلٍ غير مباشر، إذ أن المتضرر الأول والأخير من وراء هذه العملية هو الشعب العربي في الأحواز.
2) يجب توضيح الأمر التالي وهو أن الطقس المناخي يتسم حاليا بدرجة حرارية عالية جدا في الأحواز وتفوق قدرة تحملها في الأغلب الأعم من دون أدوات تبريد، وتجاوزها يتطلب توفر حافظات التجميد، ومن المعروف عند كل المطلعين أنَّ فصل الصيف الملتهب في هذا الإقليم هو الذي يكلكل على مجتمعنا الأحوازي، وهذا الفصل تصل فيه درجة الحرارة إلى أكثر من 50ْ، الأمر الذي يجعل أبناء عر بستان ممن يستفيدون من خدمات تلك الطاقة الكهربائية والأجهزة الصانعة لها والموصلة منها، هم المتضررون الوحيدون، وخصوصا الفئات التي تتكون منها، من قبيل النساء والأطفال والشيوخ والمرضى من أبناء شعبنا العربي الأحوازي.
3) إن هذه العمليات غير المحسوبة نضالياً، تكتيكياً وإستراتيجياً، وغير الواعية للظرف الموضوعي، وغير الملبية لشروطها التنظيمية الذاتية، سيجعل أبطالها ـ إذا كانوا مخلصين ـ غير كفوئين لتحدي ردود الأفعال التي ستقدم عليها السلطة المتفوقة في ميزان القوى، وفي ميدان المعلومات، وفي بنية التنظيم، والمهيمنة على سرعة انتقال المعلومات وما يستلزمها من سرعة التحرك، والتفوق في ميدان شراء الذمم والاستنطاق القسري، ومسك عناصر المبادئة في التصرف والفعل، الأمر سيجعل الجهاز العسكري و الأمني ينشطان بشكل كبير في الإقليم الغني بالنفط و مشتقاته، وستجعل من آفاق الصدام الشامل بينها وهي التي تحوز على كل الإمكانيات، من جهة، وبين الشعب العربي الأحوازي، محتوما بذرائع متعددة، وأبرزها حماية المنشآت من التدمير، وتوفير الحماية للشعب من العناصر الإرهابية، مما يضع شعبنا العربي الأحوازي على شفا حفرة من النار، و بالتالي ستنعدم الثقة بين الجانبين، بشكلٍ أكثر مما هي معدومة، وما سيفرزه كل ذلك من نتائج وخيمة، سيصيب ضررها الحتمي كل الشعب العربي ونخبه السياسية على وجه الخصوص.
4) لا ننسى أن القوة الأمريكية هي التي تتحكم بالوضع السياسي العالمي، من خلال هيمنة العولمة كنمط اِقتصادي وسياسي سائد في اللحظة التاريخية الراهنة على كل العالم، وفوق ذلك أنها تحيط جغرافياً بشرق إيران وغربها، حيث تتوزع قواتها في العراق وأفغانستان، ناهيك عن سيطرتها الكلية على المياه والأجواء في المناطق الجنوبية الغربية المحيطة، والصراع الحقيقي القائم بين الولايات المتحـدة، من جهة، وبين إيران، من جهة أخرى، هو صراع حقيقي وفعلي ومهما حاولت القيادة الإيرانية التملص من هذا الواقع عبر تقديم الخدمات لأمريكا في أفغانستان والعراق لن يفضي إلى نتيجة عملية ملموسة وليس من ورائه طائل، لأنه صراع قائم على أهداف سياسية عملية ملموسة في الوعي السياسي الأمريكي، وما قد يراكمه هو الظرف الزمني الراهن الذي تواجه إدارة جورج بوش مأزقاً سياسياً وانتخابيا قد ترى في خوضها حرباً ضد إيران ملجأً أخيراً لها.
والتهديدات الأمريكية المتصاعدة تجاه إيران معروفة: البرنامج النووي وحقوق الإنسان والإرهاب وغيرها، قد تدفعها لاستغلال العديد من الظواهر التي يشهدها شعبنا جراء تجاهل السلطة الإيرانية للمطالب الشعبية العربستانية، وتقدم الرشوات المالية للقوى السياسية التي تتعيش على حساب قضيتنا الوطنية في الخارج لجعلها مجرد حصان طروادة في آلتها الإعلامية، بهدف إستراتيجي واضح هو السيطرة على إيران: الموقع والنفط والسوق، الأمر الذي يجعل من احتمال إحكام قبضتها على الإقليم العربساني بقبضة حديدية بهدف السعي لتنفيذ أهدافها الإستراتيجية، وما يحدث لأكراد العراق راهناً ينبغي التفكير به، فقد تراجع الحكم الذاتي من محتواه القومي الكردي إلى جانبه الإداري، وجعل القانون الدستوري في خبر كان عند تشكيل الحكومة التابعة للمحتلين الأمريكيين، و ربما قد تكون هذه العمليات ضمن الجهود العسكرية الأمريكية، وكونها في سياق سلسلة من العمليات التي تقوم بدعمها ماديا ولوجستيا القوات الأمريكية ـ البريطانية في العراق بغض النظر عن نوايا الفاعلين أو غفلتهم التي تقوم على مبررات الحقد المحقة أو غير المحقة.
وربما تُنفذ تلك العمليات بواسطة بعض المرتزقة العراقيين ممن يأتمرون بأوامر أعضاء مجلس الحكم السابق أو بعض الجهات المتنفذة في الحكومة المعينة من قبل الأمريكيين، وخصوصاً من قبل الذين يتصورون ولادة المقاومة الوطنية العراقية ضد المحتلين الأجانب، وبالتالي تصدير أزمتهم نحو الخارج، وهؤلاء ـ كما هو معروف ـ مستاءون من التدخلات الإيرانية في شأنهم الداخلي بهدف توظيف الرقم العراقي في معادلة الصراع مع الأمريكيين خصوصاً، والغربيين بشكل عام، ومما يجعل هذا الاحتمال واردا في دعم بعض الأحوازيين لزعزعة وضع الأمن الإيراني و اللعب بالأوراق الإيرانية الداخلية على أمل تحويل عناصر هذا الفعل مجرد أدوات لتوتير الأجواء بين ((العراق وإيران)).
إنَّ العمليات التفجيرية تلك تشير إلى عدة احتمالات، يصب أغلبها في مناهضة السياسة الإيرانية، الأمر الذي يوجب اعتمادها على المجتمع الإيراني بمختلف تكويناته القومية وسحب ذرائع التدخلات الأجنبية في شؤون الدولة الإيرانية التي هي مؤسسة تمثل الأرض والمجتمع والحكومة التي تهيمن عليها إحدى القوميات من دون وجه حق، عبر إطلاق الحريات الديموقراطية، وفي مقدمتها الإلتزام بالفقرات الخاصة بالبعد العربستاني : المواد 15 ، 17 ، 19 .
ــ 2 ــ
وإذا كان تناول العنف الثوري المسلح في هذه المقدمة يملك مبرراته الموضوعية، من كون تلك العمليات تستثير التفكير النقدي، والبحث الجدي حول الهدف الأساس من تلك العمليات، فإنَّ التطرق لنشاط البعض السياسي العربستاني حول ضرورة إنتهاز فرصة إحتمال غزو القوات الأمريكية، والتضامن الفعلي معها عبر تقديم المعلومات المجانية، والقيام بحملة دعائية واسعة من خلال تشكيل تنظيم يحاول الإستفادة من أمثولة الإحتلال الأمريكي للعراق، فإنه يتناسى حقيقة أنَّ الأمريكيين قد أجزموا ((بأنَّ التغيير يأتي من الداخل)) وليس عن طريق الغزو العسكري كما هو الحال مع العراق، لكون العنصر الصهيوني مؤثر في القرار السياسي والعسكري الصهيوني.
تقول أحد أهم الوثائق الأمريكية التالي: ((عليك ردع إيران عن إمتلاك أية أسلحة متقدمة، والمهم في حالة إيران أنْ تكون إجراءاتك ضد القيادة الإيرانية وبدون التأثير على الشعب الإيراني (لأنَّ إيران حليف قوي إذا سقط نظام الثورة الإسلامية))، خاصة وأنه عليك إدراك أنَّ التغيير يأتي سلمياً لذا ((عليك تشجيع التغيير في إيران والعراق، وعليك أنْ تلاحظ أنَّ التغيير في إيران يمكن أنْ يتم بوسائل سياسية، وأما التغيير في العراق فلا يمكن أنْ يتم بوسائل سياسية، ومعنى ذلك أنَّ التغيير في إيران يمكن أنْ يتم من الداخل [. . .] عليك أنْ تشجع المعتدلين في إيران ضد المتطرفين، وأنْ تصل من وراء الاثنين مباشرة إلى الشعب الإيراني: شجع السياحة بين إيران والغرب ــ شجع القطاع الخاص في إيران ــ إبحث عن قنوات لحوار مع القوى الديموقراطية في إيران))، [1].
لذا يتصور البعض ــ عن سذاجة سياسية مفرطة شأنه شأن بعض الأحزاب العراقية سابقاً ــ ((رسم خطه السياسي من منطلق المصالح الوطنية الأهوازية، ووفق مطالب جماهير شعبنا وخياراتها من جهة)) هو شأن كافٍ لضمان صيرورتها المستقبلية المستقلة، من ناحية، وإنها قد تصبح ذات موقع وقرار في التطورات الموضوعية القادمة، من ناحية أخرى، وهي أضغاث أحلام، لا شك في ذلك.
ولعل مراهنتها على ((العمل الأمريكي)) القادم تظهره الفقرة التي تلت ذلك التصور التي تفيد الإعتماد الكلي على الآخر الأجنبي المضاد لأمتنا العربية ليس منذ العام 1925 فحسب ـ بل منذ تدشين الحروب الصليبية على أمتنا العربية وعالمنا الإسلامي، تقول الوثيقة البرنامجية لحزب تشكل بعد إحتلال العراق بفترة زمنية لا تزيد على الشهور الثلاثة، وبتغييب متعمد لأهم حدث عالمي رأته المنطقة العربية منذ نصف قرن: الإحتلال الأمريكي للعراق، إنَّ ((مقتضيات الظروف المحلية والإقليمية والدولية)) والعمل ((بمعزل عن الإفتراضات والأطروحات التجريدية أو النماذج الجاهزة للعمل النضالي)) ستتيح الأجواء للحصول على قطعة كيك ممتازة من الأكلة الأمريكية، وليس الحصول على فضلات قد تسبب بعض الأمراض السياسية التي تعيدنا إلى المربع الأول من الاحتلال، ولكن: في أية حال، ينبغي علينا التساؤل عن الهدف الذي تنطوي علية تلك الفقرات البرنامجية:
1 ــ جعل منطقة الأحواز مقطوعة الصلة عن تأثير محيطيها العربي أو الإيراني، والإنطلاق من هذا المحدد هو العمل التجريدي الذي اضطر القائمين على الحزب للتحذير منه لاحقاً، فالنظر ((للخلية الواحدة)) المعزولة في جسم الدولة الإيرانية، وارتباط شعبها الروحي بالبعد العربي سيجرد شعبنا من أي حليف له على صعيد المستقبل.
2 ــ العولمة العالمية وأسلوبها العسكري في التسلط والهيمنة وفرض واقع: دولة بدون حدود، وسوق من غير قيود، وأموال سائلة: عبر شركات إحتكارية كبرى: تبحث عن مكامن الربح، وإعلام متدفق من دون مراقبة، جرى إغفال تجربتها المرئية الملموسة، فإلى أية غاية سياسية جرى لفلفة ذلك، تجربة عالمية كان لها مؤثرات على كل الصعد يجري إغفالها المتعمد: ألا يثير ذلك علامات التساؤل ؟ .
3 ــ يبدو واضحا وبالإنسجام مع ما تقدم، إنَّ تناسي ((العربية)) في قول البرنامج ((مقتضيات الظروف المحلية والإقليمية والدولية)) كان مقصوداً لذاته بغية عدم تحديد موقف مما جرى على العراق وللعراق، وبهدف تغييب طابع المرحلة، وترويج الأطروحات الأمريكية بشكل شفهي يبرهن على أنَّ الأمر لم يكن عفوياً، بل مقصوداً لذاته، فالخلاص كما يقول بعض النافذين في حزب أصحاب البرنامج، هو التعويل على ((العمل الأمريكي)) حتى لو كان يرأس لجنة العمل تلك أحد أكبر جلادي شعبنا في عهد الثورة الإيرانية: الجنرال أحمد مدني.
4 ــ ماذا يعني البرنامج بقوله العمل ((بمعزل عن الإفتراضات والأطروحات التجريدية أو النماذج الجاهزة للعمل النضالي الوطني)) أيقصد ضرورة فقدان شعبنا لذاكرته الوطنية التي يعد الغرب البريطاني هو المتواطيء الأول بالتآمر مع شاه إيران ضد شعبنا ؟ والنأي عن دراسة تجربته الوطنية الملموسة التي تنامت شجرتها المعطاءة منذ ثمانين عاماً لصالح رؤية مستجدة حددت خطوطها الرئيسة العولمة الأمريكية ؟ هل التخلي عن الذات الوطنية الأحوازية كعنصر هام في التغيير نحو الأفضل والأحسن هو المقصود ، والمراهنة على عنصر الإحتلال العسكري الأمريكي كوسيلة وحيدة للتغيير المجتمعي العربستاني والتحرر من إيران ؟ إنَّ جميع المراقبين ــ إلا من ختم على بصره بالعمى، وبصيرته بالصمم ــ يدركون إنَّ القوة الأمريكية تبحث عن مصالحها أولاً وأخيراً، ولكم في التجربة العراقية عِبرة ودرساً يا أيها المخلصون ! .
والآن إلى المادة 15 من المواد الفكرية لهذا التنظيم الذي ولد بعد التجربة العراقية بإفلاش دولته التي مضى على تكوينها أكثر من ثمانية عقود من السنين على يد المحتلين الأمريكيين. . . وُلد خلال مدة لا تزيد عن الثلاثة أشهر، وهي جوهر فكرة الحزب الجديد، كما نعتقد، يؤكد الحزب فيها: ((يؤمن الحزب بضرورة تدعيم التضامن الدولي، ونبذ العنف أو التلويح به كوسيلة لتسوية الخلافات الدولية، ووجوب إعتماد الحوار والتفاهم المتبادل كأساس في العلاقات الدولية))، أليس هذه الفقرة مأخوذة عن أحد قرارات وزارة الخارجية الأمريكية ؟ تدعيم التضامن الدولي خلف الرؤية السياسية الأمريكية ــ الصهيونية، ومن دون ((خدش)) ممارساتها القمعية في كل العالم، حتى لو كان ذلك الخدش يأتي من نصوص سياسية نقدية: بله حتى من نصوص آيات قرآنية من قبيل ((يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون. . . إلخ)) التي إضطرت الأسرة المتسلطة على أبناء الجزيرة العربية من حذفها من ((المناهج الدراسية في المملكة)) ، ومن يمارس العنف الهمجي على الشعوب والأوطان كافة، من تلك الأوطان والشعوب التي تنتمي العالم الجنوبي؟ أليس هي الولايات المتحدة الأمريكية، فلماذا لا يذكرها البرنامج بأية كلمة ؟ أم أنَّ الأمر ينطوي تكتيك قد يخجـل البعض من فضائحـه في حالة الإعـلان عنه، والترويـج له على الملأ العربسـتاني !؟ .
((وجوب إعتماد الحوار. . )).. . . التساؤل الذي تستثيره هذه النقطة يتمحور حول التالي: لماذا ينعدم الحوار ــ إذن ــ مع القوى السياسية العربستانية، ويجري إشاعة الإتهامات ضد كل مَنْ يناويء رؤية سياسية معينة ؟ ألئنَّ إعتراض البعض على الوسيلة الحالمة بالاستعانة بالآخر المالك للقوة العالمية، ومحاولة نشر وجهة نظرهم السياسية بمختلف الوسائل الإعلامية ؟ والتي يحرص البعض على محاربتها وعدم فسح المجال لنشرها، تساهم في تعرية طريق يستهدف كل ما تحقق لشعبنا، وفضح مراهنة البعض على رهن قضيتنا الوطنية عند ((الشرطي الأمريكي العالمي الجديد)). وهل الحوار يعني التذيل لرؤية الآخرين بصدد المنطقة العربية التي يعد شعبنا الجزء الحيوي منها ، مثلما تعد قضيته الوطنية تمر بظرف دقيق ينبغي الموازنة بين الإختيارات كلها ، على أرضية مصلحة شعبنا .
ــ 3 ــ
إذن نحن ظهرنا إلى الحائط، وهذا قدرنا التاريخي، ولكن لا بد من إشتقاق المهمات الوطنية: التكتيكية والإستراتيجية المرحلية في الوقت الحاضر، وهي تنبع من لوحة التناقضات الموضوعية التي ينبغي قراءة تطوراتها بشكل علمي ومنهجي، على ضوء الإستيعاب للمعلومة والرقم ودرجة التطور، على ضوء الوضع العالمي والإقليمي والعربي والأحوازي، في مرحلة العولمة الأمريكية والهيمنة الكلية ليس على منطقتنا العربية والإيرانية فحسب، بل على كل مناطق العالم. وإنَّ ما ورد في الدراسات التي ضمها هذا الكتاب هو إجتهاد فكري وسياسي ضمن إجتهادات أخر ، جديرة بالملاحظة والتصويب والتعميق والإغناء، فرأيي خطأ يتضمن الصحيح، ورأي غيري صحيح قد ينطوي على الخطأ، فلنكن كلنا مبادرين غير إمتثاليين، صادقين مبدئيين غير مدجلين مداهنين، فقضية شعبنا العربستاني تستأهل كل تضحية وجهد.
والله من وراء القصد .
 
25 / 6 / 2004 باقر الصراف
 
الهامش
[1] ــ راجع كتاب الأستاذ محمد حسنين هيكل المعنون : كلام في السياسة ــ الزمن الأمريكي من نيويرك إلى كابول ، المصرية للنشر العربي والدولي ، الطبعة الثالثة ، أغسطس 2002 ، ص 93 ، و94 على التوالي ، والنص مقتطع من التقرير الرئاسي الأمريكي المعنون : خريف خطر ومما جاء توضيحاً له أقوال السيد محمد حسنيين هيكل التالية :
[ثم إنني ــ بمحض مصادفة ــ اطلعت على تقرير عن سياسات أمريكا في الشرق الأوسط عرفت أنه الآن ــ هذه الأيام ــ على مكتب الرئيس الأمريكي ((جورج بوش)) ينتظر من الرئيس أنْ يقرأه ، وينتظر على الهوامش علامات مما يخطه هذا الرئيس الجديد لأمريكا من ملاحظات على ما يقرأ ، وهو معظم الأحيان ــ كما سمعت ــ علامات إستفهام أو علامات تعجب يفهمها معاونوه الأقربون ، وأولهم السيدة كونداليزاة رايس ((مستشارة شؤون الأمن القومي في البيت الأبيض)) وتترجمها إيضاحات أو شروحات لرئيسها ــ وتلميذها ــ (جورج بوش) ــ تيسيراً عليه ، وتهويناً للمشقة] .
يتبع
الخميس, 22 محرم, 1426